كتب: عبد الرحمن سيد

ثلاثة أيام من الهدوء المتبادل بين موسكو وكييف باتت مرتبطة بأهم تحرك دبلوماسي أمريكي جديد لإنهاء الحرب الأوكرانية، بعدما اجتمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، السبت، مع المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في الكرملين، قبل توجههما المرتقب إلى كييف الأحد لإجراء محادثات بشأن إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات.

اجتماع استمر 3 ساعات في الكرملين

يأتي الاجتماع الذي انتهى بعد نحو ثلاث ساعات، وفق ما أفاد به الإعلام الرسمي الروسي مساء السبت، وسط مساع أمريكية لإعادة تحريك المفاوضات الرامية إلى إنهاء أعنف نزاع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

هدنة متبادلة لمدة 3 أيام

وبالتزامن مع هذه التحركات، تعهدت روسيا وأوكرانيا بعدم توجيه ضربات إلى عاصمة كل منهما لمدة ثلاثة أيام خلال فترة المفاوضات.

واستقبل بوتين ويتكوف وكوشنر في قاعة كبيرة بالكرملين، حيث قال في مستهل اللقاء: «حضرة الزميلين العزيزين، أهلا بكما في موسكو الوضع ليس سهلا بالطبع»، قبل أن يطلب منهما نقل «أطيب التمنيات وأسمى آيات الشكر» إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وأكد الرئيس الروسي أن بلاده ستبذل ما في وسعها لضمان سلامة زيارة ويتكوف وكوشنر إلى كييف الأحد، موضحا أن موسكو ستعمل على «ضمان سلامة عملية التفاوض والوسطاء» المشاركين فيها.

زيارة المبعوثين الأمريكيين إلى كييف

وتحمل زيارة المبعوثين الأمريكيين أهمية خاصة، إذ أعلن ترامب الجمعة أن كوشنر وويتكوف سيتوجهان إلى موسكو ثم كييف، حاملين معهما «مقترحا لإنهاء الحرب».

وستكون هذه أول زيارة لهما إلى العاصمة الأوكرانية منذ بدء الوساطة الأمريكية بين موسكو وكييف، كما أنها الأولى لويتكوف، صديق ترامب ورجل الأعمال، وكوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، إلى كييف منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي.

ويأتي التحرك الدبلوماسي في وقت تشهد فيه الجبهة تصعيدا في الهجمات وسقوط مزيد من الضحايا منذ مطلع الصيف، بينما يكرر بوتين أن موسكو تريد السيطرة على ما تبقى من الشرق الأوكراني.

وعلى الأرض، أسفرت ضربات روسية استهدفت مناطق أوكرانية السبت، بينها مناطق قريبة من العاصمة، عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل، وفق مسؤولين محليين، بينهم خمسة لقوا حتفهم في منطقة دنيبرو شرقي البلاد.

واتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بمحاولة التأثير على زيارة المبعوثين الأمريكيين من خلال هجمات ليلية استهدفت مطارين في كييف وأعلن الكرملين، في المقابل، وقف الضربات على كييف اعتبارًا من منتصف ليل السبت.

وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف إن بوتين «أصدر أمرا بعدم قصف كييف لمدة ثلاثة أيام، بدءا من منتصف ليل اليوم»، مشيرا إلى أن القرار مرتبط بالتحضيرات للمفاوضات التي سيجريها المبعوثان الأمريكيان في كييف.

ورد زيلينسكي بإعلان استعداد أوكرانيا للامتناع عن ضرب موسكو خلال الفترة نفسها، قائلًا عبر شبكات التواصل الاجتماعي إن بلاده مستعدة لعدم توجيه ضربات «من الآن وحتى نهاية السبت، فضلا عن الأحد والإثنين».

وربط الرئيس الأوكراني الهجمات الروسية على المطارات بالتحضيرات لزيارة الوفد الأمريكي، مرجحًا أن تكون الضربات ردًا على الاستعدادات المتعلقة باحتمال وصول المبعوثين جوًا إلى أوكرانيا والهبوط في مطار بكييف أو بوريسبيل، مؤكدًا أن الجانب الأوكراني «لن تكون هناك تهديدات للدبلوماسية» من قبله.

وأعلن زيلينسكي أنه تحدث مع ويتكوف وكوشنر، وأنه ينتظر وصولهما الأحد، وتكتسب الرحلة الجوية المنتظرة دلالة استثنائية، إذ إن المجال الجوي الأوكراني مغلق منذ بدء الغزو الروسي، ولذلك اعتاد معظم القادة والمسؤولين الذين يزورون كييف السفر بالقطار.

ومن جانبه، قال ترامب إن المفاوضين الأمريكيين سيسعيان إلى تقييم فرص إحراز تقدم باتجاه السلام، مشيدا بويتكوف وكوشنر باعتبارهما مفاوضين بارعين، ومؤكدًا أنه أرسلهما لمعرفة ما إذا كان بالإمكان التوصل إلى اتفاق، معربًا عن اعتقاده بوجود «فرصة جيدة» لتحقيق ذلك.

ولم يكشف ترامب عما إذا كان المقترح الأمريكي يتضمن تنازل أوكرانيا عن أراض، وهو الأمر الذي سبق أن أشار إليه وترفضه كييف.

وتأتي المحاولة الأمريكية الجديدة بعد تعثر الجهود الدبلوماسية خلال الأشهر الأخيرة، في وقت تحول فيه تركيز واشنطن إلى الحرب مع إيران. وكانت الحرب الروسية الأوكرانية، التي بدأت بالغزو الروسي عام 2022، قد أدت إلى مقتل مئات الآلاف وتهجير الملايين، فضلًا عن سقوط آلاف المدنيين ومئات الآلاف من الجنود.

وسبق لويتكوف وكوشنر المشاركة في مفاوضات مرتبطة بوقف إطلاق النار في غزة وإيران، كما زارا موسكو مرات عدة للقاء بوتين ضمن المساعي الرامية إلى التوصل لتسوية.

وتأتي زيارتهما بعد أكثر من أسبوع على زيارة نادرة إلى موسكو قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» جون راتكليف، الذي حذر روسيا من مهاجمة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي «ناتو»، وفق ما ذكرته وسائل إعلام أمريكية.

وتتحرك موسكو وكييف في الوقت نفسه على مسار عسكري متواصل، مع استمرار تبادل الهجمات بعيدة المدى باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة وقبل إعلان ترامب إرسال ويتكوف وكوشنر، اتهم زيلينسكي روسيا بإطلاق طائرة مسيّرة أصابت مقر جهاز الأمن الداخلي «إس بي يو» في كييف، مشيرًا إلى أن الطائرة كانت تستهدف مكتب رئيس الجهاز.

ويضع اجتماع الكرملين والزيارة المرتقبة إلى كييف والهدنة الجوية المتبادلة لمدة ثلاثة أيام التحرك الأمريكي أمام اختبار جديد، وسط محاولة لإعادة المفاوضات إلى مسار يمكن أن يقود إلى إنهاء الحرب التي دخلت عامها الخامس.